ابن الفارض
128
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
مقام العباد والزهّاد ، وصرت به سيّدا لهم ، وأشرفهم في كل أمّة من أمم الأنبياء ، وذلك أن غاية مطلبهم من اللّه هي النجاة من عقابه ، والوصول إلى ثوابه ، والعقاب والثواب أثران من صفتي سخط محبوبك ورضاه ، ومطلوبك النجاة من غير محبوبك والوصول به ، وشتّان بين المطلوبين ، وقوله : ( نفسا ) نصب على التمييز ، و ( أنفس ) أفعل التفضيل من النفاسة مفعول ( سدت ) من ساده يسوده سؤددا : صار سيّده ، ثم قال : وفز بالعلى وافخر على ناسك علا * بظاهر أعمال ونفس تزكّت أي : واظفر بالمقامات العليّة في المحبة ، افخر بها على زاهد عابد فعلا بظاهر أعمال العبادة ، ونفس تزكّت من حبّ الدنيا والأخلاق السيّئة ، ثم قال : وجز مثقلا لو خفّ طفّ موكّلا * بمنقول أحكام ومعقول حكمة وقوله : ( لو خف طف ) من طف الميزان إذا ارتفع لنقصانه ، وهو صفة مثقلا ، وكذا ( موكلا ) جازه يجوز جوازا جاوزه لما أمره بالمفاخرة على النسّاك أمر بالمجاوزة عن المثقلين بأثقال العلوم الظاهرة من الفقهاء والمتكلّمين بأحكام المنقولات والفلاسفة الموكلين بالمعقولات ؛ لأن المنكر على هذه الطائفة لا يخلو إمّا أن يكون ناسكا موقوفا على ظاهر نسكه ، أو عالما موقوفا على ظاهر علمه ، ووصف مثقلا بأنه لو خفّ طف ؛ لأنه لو كان خفيفا بوضع الأثقال عنه كان طفيفا لا يرى لنفسه قدرا ، واللازم منتف ، فالملزوم مثله ثم أمره بحيازة علم الوراثة بقوله : وحز بالولا ميراث أرفع عارف * غدا همّه إيثار تأثيرا همّة [ 158 / ق ] ( حازه ) يحوز حوزا وحيازة : جمعه ، ولا يحوز الميراث إلا العصبة التي هي أقوى الورثة ، و ( الهمّ ) : القصد والهمّة نوع منه ، وقصد الباطن للتأثير في الشيء ، أي : وجمع بالمحبة ميراث أعلى عارف صار قصده اختيار تأثير همّته بالخير في أحوال الناس ، وأراد به النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم لتفرّده بكمال هاتين الصفتين ، وميراثه العلم والمعرفة ؛ كما ورد : « العلماء ورثة الأنبياء » ، وإنما كانت المحبّة سبب هذا الإرث لأن مناطه هو النسب بين المتوارثين ، ونسبة المحبة بين المحبّ والمحبوب أعلى نسب ، والنبيّ صلى اللّه عليه وسلّم محبوب كل محبّ للّه ؛ لأنه محبوب المحبوب ، ومحبوب المحبوب محبوب ، ووصفه بإيثار تأثير الهمّة ، لأنه آثر تأثير همّته في أمّته بالخير ، وأكثر العارفين من لا يتعلق همّته بالتأثير في شيء معيّن لاستواء الحال عندهم ، فلا يختارون تأثير همّتهم في شيء